الارتباط بين الجرائم: الحد الفاصل بين اختصاص محكمة الموضوع والمحكمة العيا في القانون العماني
يلاحظ أن كثيراً من الطعون التي تمارس أمام القضاء العماني في الدعاوى الجزائية يستند فيها المحامون -نيابة عن موكّليهم- في أسبابها على وجود ترابط بين الجرائم عند تعدّدها مادياً، وذلك تجنيباً للحكم على موكليهم بعقوبات متعدّدة وفق ما تقضي به القاعدة العامة ضمن المبادئ العامة لقانون الجزاء.
وفي هذا الصّدد، يُطرح إشكال قانوني مهم حول: متى ينتقل اختصاص محكمة الموضوع في تقدير الارتباط بين الجرائم المتعددة إلى اختصاص المحكمة العليا في الرقابة والتصحيح؟
![]() |
الارتباط بين الجرائم: الحد الفاصل بين اختصاص محكمة الموضوع والمحكمة العيا في القانون العماني Interconnectivity of Crimes: The Boundary Between the Jurisdiction of Trial Courts and the Supreme Court in Omani Law La connexité des infractions : La ligne de démarcation entre la compétence des juridictions de fond et de la Cour Suprême en droit omanais |
أولاً: التأصيل القانوني ومناط إعمال وحدة الجريمة كاستثناء من الأصل
رسمت المادة (64) من قانون الجزاء العماني حدوداً دقيقة للقول بوحدة الجريمة رغم تعدد الأفعال، حيث أوجبت الحكم بالعقوبة الأشد من تلك الجرائم إذا توافر شرطان تراكميان:
- وحدة الغرض: أن تقع الجرائم المتعددة تنفيذاً لمشروع إجرامي واحد.
- عدم القابلية للتجزئة: أن ترتبط الأفعال ببعضها ارتباطاً وثيقاً يجعل من فصلها إخلالاً بكيان الواقعة الإجرامية (أفعال مكمّلة لبعضها البعض).
حيث جاء في نص المادة 64 من قانون الجزاء ما يلي:
"إذا وقعت عدّة جرائم لغرض واحد وكانت مرتبطة ببعضها ارتباطاً لا يقبل التجزئة، فيجب اعتبارها كلها جريمة واحدة، والحكم بالعقوبة الأشد المقررة لأي من تلك الجرائم".
ثانياً: الأصل أن تقدير الارتباط بين الجرائم من اختصاص محكمة الموضوع
لَمّا كان المشرع لم يبيّن المقصود بالارتباط بين الجرائم المتعددة، فإن ذلك يقتضي ترك أمر تقدير قيامه من عدمه لمحكمة الموضوع، وذلك وفقاً لما قررته المحكمة العليا في قضائها (الطعن رقم 2022/535، جلسة 2022/11/8)، طالما أن استخلاصه كان سائغاً ومستمداً من أوراق الدعوى.
وإذا كان ترك تقدير قيام واقعة الارتباط بين الجرائم لمحكمة الموضوع هو الأصل، فإن تدخل المحكمة العليا في ذلك التقدير استثناء يُصار إليه في الحالة التي سنتناول ذكرها في المحور المُوالي.
ثالثاً: رقابة المحكمة العليا على تقدير الارتباط بين الجرائم
تكون المحكمة العليا ملزَمة بالتدخل لتطبيق القانون على وجهه الصحيح، متى كانت وقائع الدعوى التي أوردها الحكم الصادر عن محكمة الموضوع والمطعون فيه تستوجب قيام الارتباط بين الجرائم المتعددة وإعمال حكم المادة 64 من قانون الجزاء، وكانت الأسباب التي ساقتها محكمة الموضوع غير سائغة وليس لها أي أصل ثابت في الأوراق وغير قادرة على حمله.
ووصفت المحكمة العليا في حكمها المذكور عدم إعمال مقتضيات هذه المادة 64 في هذه الحالة من طرف محكمة الموضوع بأنه من الأخطاء القانونية في تكييف علاقة الارتباط، وأنها تستمد حقها في التدخل من أجل تصحيحها بالاستناد إلى مقتضيات المادة 250 من قانون الاجراءات الجزائية التي تخول لها نقض الحكم لمصلحة المتهم إذا تعلق الأمر بمخالفة القانون ولو لم يرد هذا الوجه في أسباب الطعن أمامها.
(الطعن رقم 2019/476، جلسة 2020/1/21)
رابعاً: مثال لوقائع تستوجب القول بارتباط الجرائم (تطبيق قضائي)
لمعرفة الحالة الموجبة لبَسط الرقابة القانونية على محاكم الموضوع في هذا الشأن، نتأمل الواقعة التالية:
☜ الوقائع: ⬅ تهديد الجاني للضحية بإيقاع الضرر عليها إذا لم تمكنه من نفسها ⬅ تسلق الجاني جدار مسكنها وانتهاك حُرمته ⬅ هتك عرض الضحية (طفل).
☜ يُلاحظ أن هذه الجرائم:
● تجمع بينها وحدة الغرض.
● تقتضي معاقبة الطاعن بالعقوبة المقررة للجريمة الأشد (جريمة هتك عرض طفل).
وبالتالي، يمكن القول بوجود ارتباط بين جريمتين أو أكثر.
ويترتب على قضاء محكمة الموضوع في مثل هذه الحالة بعقوبة مستقلة عن كل واقعة على حدة، رغم أن الجرائم المسندة إلى المتهم قد انتظمتها خطة إجرامية واحدة وارتكبت لغرض واحد، حق المحكمة العليا في التدخل لمصلحة المتهم لتطبيق القانون.
❐ خلاصة القول:المقرر أن مسألة ارتباط الجرائم المنسوبة للمتهم ارتباطاً لا يقبل التجزئة -الموجب لإعمال المادة (64) من قانون الجزاء العُماني التي تقضي باعتبارها جريمة واحدة تُوقع عليها عقوبة واحدة- هي مسألة موضوعية تدخل في حدود السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع؛ ولا رقابة للمحكمة العليا فيما تراهُ، إلاّ إذا كانت الوقائع، كما أثبتها الحكم، لا تؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها المحكمة.
وهذا كلّ ما في الأمر
⸺ إذا كان لديك أي تساؤل أو استفسار حول الموضوع، لا تتردّد في طرحه في المكان المخصص للتعليقات أسفله.
ミ المصادر: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◈ قانون الجزاء الصادر بمقتضى المرسوم السلطاني رقم 2018/7، بتاريخ 22 من ربيع الثاني سنة 1439ه (الموافق، 11 يناير سنة 2018م)،
◈ مجموعة الأحكام الصادرة عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا والمبادئ المستخلصة منها في الفترة من 2022/10/01م وحتى 2023/09/30، إصدار المكتب الفني بالمحكمة العيا، السنة القضائية 23.
- تاريخ آخر تحديث: 2026/01/25

Post a Comment for "الارتباط بين الجرائم: الحد الفاصل بين اختصاص محكمة الموضوع والمحكمة العيا في القانون العماني"
✛ Join the Discussion! 💬 Do you have insights or inquiries regarding this article? Share your perspectives with the specialized "Arable Law Hub" community. We welcome constructive contributions that enrich the legal discourse.
⚠ NOTICE: As part of our quality assurance process, all comments are subject to review and moderation. Abusive, promotional, or irrelevant content will not be published.