الشذوذ الجنسي في القانون المغربي ! (الفصل 489 من القانون الجنائي)
"يأتي هذا الموضوع القانوني في إطار استعراض النصوص التشريعية المغربية وتحليلها لغرض العلم بها ومدى مواءمتها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، مع الالتزام الكامل بـ سياسات المحتوى من Google التي تمنع الخطاب الذي يحضّ على الكراهية.
نهدف من خلال هذا المقال إلى تقديم قراءة قانونية موضوعية للفصل 489 من القانون الجنائي المغربي، بعيداً عن أي محتوى صادم أو مسيء أو محرِّض، التزاماً منا بتوفير معلومات دقيقة وموثوقة للمستخدم الباحث باللغة العربية."
تُعدّ أفعال الشذوذ الجنسي في القانون المغربي من الجرائم الماسّة بالأخلاق العامة (Les bonnes mœurs)، والتي يكون فيها لكل فرد من أفراد المجتمع رأي ولكل متحدّث عليها تعليق.
وإذا كان لهذه الأفعال الجُرمية أبعاد متعددة، منها النفسية والاجتماعية والدينية، فإنني سأتولى الحديث عنها في هذا المقال من خلال المحاور الآتية:
- أولاً: الشذوذ الجنسي في القانون الجنائي المغربي: الفصل 489
- ثانياً: تعريف الشذوذ الجنسي
- ثالثاً: أركان جريمة الشذوذ الجنسي
- رابعاً: عقوبة الشذوذ الجنسي
- خامساً: معطيات إحصائية حول عدد القضايا والمتابَعين

أولاً: الشذوذ الجنسي في القانون الجنائي المغربي: الفصل 489
صنَّف المشرع المغربي جريمة الشذوذ الجنسي ضمن جرائم انتهاك الآداب (Outrage aux mœurs)، ونص عليها وعلى عقوبتها في الفصل 489 من القانون الجنائي (Code Pénal) كما يلي:
“يعاقَب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائتين إلى ألفي درهم من ارتكب فعلاً من أفعال الشذوذ الجنسي مع شخص من جنسه، ما لم يكن فعله جريمة أشد”.
ويُلاحظ أن المشرع استعمل تعبير "الشذوذ الجنسي بين أشخاص من نفس الجنس"، وهو التعبير الشائع أيضاً عملياً في لغة محاضر ضباط الشرطة القضائية والأحكام القضائية، وذلك للدلالة وللإحالة على ما تُعرَف به هذه الأفعال لدى المهتمّين بها ومن يدعمهم (المثلية الجنسية Homosexualité)، في إطار المطالبة بإلغاء الفصل 489 من القانون الجنائي الذي يَرَونه قيداً لحرّياتهم الفردية.
كما يلاحظ أن المشرع عبر عن هذه الجريمة في القانون الجنائي بصيغته الفرنسية بـ "un acte impudique ou contre nature"، بمعنى "فعل فاحش أو منافٍ للطبيعة".
ثانياً: تعريف الشذوذ الجنسي
لم يبين المشرع الجنائي المغربي المقصود بهذا الفعل، ومع ذلك يمكن صياغة تعريف له انطلاقاً من المحدّدات الواردة في الفصل 489 من مجموعة القانون الجنائي وبطريقة غير مباشرة من باقي الفصول الأخرى المتعلقة بجرائم انتهاك الآداب -على اعتبار أن الفصول الجنائية مُتساندة- والكل في الحُدود القادرة على حَمل هذا الوصف.
فالتعريف الأمثل له والموافق للقانون هو:
كل إتيان مادي لفعلٍ ذي دلالة جنسية، يقع بالتراضي بين شخصين راشدين من جنس بيولوجي واحد، ذكراً كان أو أنثى، بشرط انتفاء الإكراه أو العنف، وانتفاء صفة القاصر أو العجز لدى أي من الطرفين.
فهذا التعريف له ما يبرّره منطقاً وعقلاً، تبعاً للتوضيح الآتي:
أن يكون الفعل "مادي":
لأن القانون لا يعاقب على الميول النفسية، بل على "ارتكاب فعل".
أن يكون الفعل "بالتراضي" (Consentement):
استنتاجاً بمفهوم المخالفة، لأنه لو كان بالإكراه لأوجب تطبيق الفصل 485 من القانون الجنائي (حيث يُتابع الجاني بجريمة هتك عرض مع استعمال العنف).
أن يكون الفعل "بين راشدين":
استنتاجاً، لأنه لو كان أحدهما قاصراً أو عاجزاً أو مُعاقاً أو شخص معروف بضعف قواه العقلية، لأوجب تطبيق الفصل 484 من القانون الجنائي (حيث يُتابع الجاني بجريمة هتك عرض دون عنف).
أن يكون الفعل من "جنس بيولوجي واحد":
تقيداً بعبارة "من جنسه" الواردة في نص الجريمة (الفصل 489 من القانون الجنائي).
ومِن الملاحظ أنَّ التعريف القانوني لهذه الجريمة يختلف جزئياً عن التعريفات التي اطلعتُ عليها في علم النفس وفي الشريعة الإسلامية؛ إذ تميل الأخيرة إلى التوسّع في تعريفها.
ثالثاً: أركان جريمة الشذوذ الجنسي
لتحقق هذه الجريمة، وفق مقتضيات الفصل 489 من القانون الجنائي، لابد من توافر أركانها Les éléments) constitutifs)، وهي:
1. ركن مادي أي ارتكاب الجريمة.
2. ركن معنوي وهو النية المسبقة لدى مرتكب الجريمة.
1. الركن المادي (L’élément matériel)
يُستفاد من عبارة "من ارتكب فعلاً من أفعال الشذوذ الجنسي مع شخص من جنسه" أن الركن المادي كعنصر واقعي لقيام الجريمة يتحقق بما يلي:
عنصر الفعل (الإيجابية): الجريمة تتطلب "ارتكاباً" مادياً خارجياً ملموساً، وليس مجرد أفكار أو نوايا أو ميول.
عنصر التماثل الجنسي: يشترط النص صراحة "مع شخص من جنسه".
النتيجة المنطقية: أي علاقة بين "ذكر وأنثى" (مهما كانت شاذة في طريقتها) تخرج تلقائياً من نطاق الفصل 489 بقوة النص.
إطلاق الفعل: تعبير "فعلاً من أفعال الشذوذ" جاء نكرة، ليشمل كل ممارسة جنسية (لواط، سحاق، احتكاك جنسي، المداعبة وتبادل القُبل والعِناق، التدالك، الإيلاج الجنسي بالفم) ما دامت تحقق الإشباع الجنسي وتخدش الحياء.
ويبقى من المهم أيضاً الإشارة إلى أن:
- القانون لا يشترط أن يكون وقوع هذا الفعل بعناصره في مكان له وصف خاص، ولا أن يتم بمقابل أو دونه، كما لا يشترط توافر ركن الاعتياد، فتقع الجريمة ولو تمت لمرة واحدة.
- الفعل يجب أن يتم برضاء الطرفين، حتى لا يقع ضمن تعبير المشرع "مالم يكن فعله جريمة أشد"، وذلك يعني أنه:
- إذا اقترن بعنف في حق أي شخص كان: سقط الفصل 489 وحل محله الفصل 485 (هتك العرض بالعنف).
- إذا وُجد قاصر أو مُعاق أو شخص معروف بضعف قواه العقلية: سقط الفصل 489 وحل محله الفصل 484 (هتك عرض دون عنف).
وذلك من منطلق أن هذه الفئات لاعبرة لرضاها، وتعتبر في نظر القانون ضحية لا يعوَّل على قبولها أو رضاها، ويفترض في الجاني العلم بالقصر في السن والإعاقة والضعف العقلي ولا يمنعه الظاهر من التحقق من هذه الظروف.
وتكون المحكمة مُلزمة باستظهار هذه الظروف حتى لا يكون حكمها مشوباً بالقصور في التسبيب.
2. الركن المعنوي (L’élément moral) أو القصد الجنائي (L'intention criminelle)
ويتمثل في توفر القصد الجنائي العام العام كجريمة عمدية، من خلال علم الجُناة بالعناصر المكونة للفعل الجرمي، واتجاه إرادتهما إلى تحقيق هذه العناصر.
وإذا تم القصد الجنائي، الذي يكاد أن يكون مفترضاً في جريمة الشذوذ، فإنه لاعبرة بالبواعث التي دفعت الجُناة إلى ارتكاب هذه الجريمة، وذلك مهما كانت هذه البواعث (الحب، الشهوة، الانتقام، الحاجة).
وينتفي هذا الركن ولا تقوم للجريمة قائمة متى تعرض أحد الجناة أو هما معاً للإكراه والإرغام.
رابعاً: عقوبة الشذوذ الجنسي
يعاقب مرتكب الشذوذ الجنسي (المثلية الجنسية)، طبقاً للفصل 489 من القانون الجنائي، بالعقوبات التالية:
- بالحبس: من 6 أشهر إلى 3 سنوات.
- وبالغرامة: من 200 درهم إلى 2000 درهم.
من خلال العقوبة المقرّرة لهذا الفعل، يُلاحَظ أن:
- المشرع اعتبر أن "مخالفة الفطرة" (الشذوذ) أشد خطراً على المجتمع من "مخالفة الشرعية الزوجية" (الفساد كعلاقة رضائية بين رجل وامرأة والذي عاقب عليه بعقوبة من شهر إلى سنة)، فضاعف الحد الأقصى للعقوبة ثلاث مرات (من 6 أشهر إلى 3 سنوات).
- المشرع جعل اقتران جريمة الشذوذ بظروف أخرى (ممارسة الشذوذ مع شخص بالإكراه أو مع شخص غير كامل الأهلية) سبباً لتغير الوصف الجنائي والتشديد في العقوبة (جريمة هتك العرض وعقوبتها)، وذلك كما فصّلت في ذلك سابقاً.
خامساً: معطيات إحصائية حول عدد القضايا والمتابعين

يستعرض الجدول أدناه عدد قضايا الشذوذ الجنسي (La déviance sexuelle) المسجّلة لدى النيابات العامة بالمغرب وعدد المتابعين أمام المحاكم خلال السنوات الثلاث (2022 و2023 و2024)، وذلك استناداً إلى التقارير الأخيرة لرئاسة النيابة العامة حول سير المؤسسة وتنفيذها للسياسة الجنائية برسم هذه السنوات:
| السنة القضائية | الجريمة | عدد القضايا المسجلة أمام النيابات العامة | المتابعون قضائياً |
|---|---|---|---|
| 2022 | الشذوذ الجنسي | 168 | 234 |
| 2023 | الشذوذ الجنسي | 288 | 379 |
| 2024 | الشذوذ الجنسي | 264 | 370 |
يتضح من خلال الجدول أعلاه ما يلي:
- أن هناك ارتفاعاً كبيراً في عام 2023 في عدد القضايا المفتوحة لدى النيابات العامة بمعدل زيادة قارب 71% في عدد القضايا مقارنة بعام 2022، وهذا لا يعكس بالضرورة زيادة في ارتكاب الجرم بقدر ما يعكس تشدداً في السياسة الجنائية، واللجوء إلى تحريك الدعوى العمومية في نطاق أوسع.
- تسجيل الانخفاض الطفيف في عدد القضايا المفتوحة في عام 2024 مع بقاء عدد المتابَعين أمام المحاكم مرتفعاً.
- من خلال تحليل النسبة بين "عدد القضايا" و"عدد المتابعين"، يتضح وجود فارق عددي مستمر (بمتوسط 1.4 متابع لكل قضية). هذا المؤشر يؤكد من الناحية القانونية أن هذه الجرائم غالباً ما تقع من الفاعلين الأصليين ليتم الكشف فيما بعد عن المساهمين أو المشاركين فيها ومتابعتهم جنائياً.
أسئلة شائعة (FAQ)
في الختام، لا بد أن نشير إلى أن تجريم المشرع المغربي لهذه الأفعال لا يمنح الضوء الأخضر للأفراد والمجتمع لممارسة سُلطة الجزاء. فمهما كانت درجة التّحفظ المجتمعي بالمغرب، يظل مبدأ احتكار الدولة والمؤسسات القضائية للعقاب ركيزة أساسية للاستقرار، وأن أي تدخل من الأفراد للحلول محل الأجهزة الأمنية والقضائية لإنزال العقاب بمن يمارس هذه الأفعال أو اشتُبه في ميوله يُعد مساساً خطيراً بالنظام والأمن العامين ويستوجب المساءلة الجنائية وتعويض المتضرر، فالسلطة القضائية وحدها المسؤولة عن تكييف الجرائم وتفريد العقاب، وهي الضامن الأول لحُرمة الأشخاص وسلامتهم من أي اعتداءات حتى وإن كانوا في حالة نزاع مع القانون.
وهذا كلّ ما في الأمر
⸺ إذا كان لديك أي تساؤل أو استفسار حول الموضوع، لا تتردّد في طرحه في المكان المخصص للتعليقات أسفله.
ミ المصادر: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- الظهير الشريف رقم 1.59.413، الصادر في 28 جمادى الثانية 1382 (26 نونبر 1962)، بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي، والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 2640 مكرر بتاريخ 12 محرم 1383 (5 يونيو 1963)، الصفحة 1253.
- صلاح رزق عبد الغفار يونس، جرائم الشذوذ الجنسي، دراسة مقارنة في ضوء الشرائع السناوية والقوانين الوضعية، دار الفكر والقانون - طبعة 2010، المنصورة - مصر.
- ندا منعم محمود السيد سلام، حدود تجريم زواج المثليين وتغيير الجنس "دراسة مقارنة، بحث منشور بمجلة البحوث الفقهية والقانونية، العدد 42 - إصدار يوليو 2023، مجلة علمية مُحكَّمة تصدرها كلية الشريعة والقانون بدمنهور - جامعة الأزهر بمصر.
- تقارير رئاسة النيابة العامة بالمغرب لسنوات: 2022 و2023 و2024.
- تاريخ آخر تحديث: 2026/04/11
Post a Comment for "الشذوذ الجنسي في القانون المغربي ! (الفصل 489 من القانون الجنائي)"
✛ Join the Discussion! 💬 Do you have insights or inquiries regarding this article? Share your perspectives with the specialized "Arable Law Hub" community. We welcome constructive contributions that enrich the legal discourse.
⚠ NOTICE: As part of our quality assurance process, all comments are subject to review and moderation. Abusive, promotional, or irrelevant content will not be published.