اختلاف المبلغ المكتوب على الشيك: الحل القانوني والمسؤولية البنكية في القانون المغربي

  يُعدّ الشيك في القانون المغربي أداة وفاء أساسية في المعاملات المالية بين الأشخاص، ويشترط لصحته أن يكون محله دائماً مبلغاً معيّناً من النقود، ويتضمن صيغة إلزامية قانوناً تُعرف بـالأمر الناجز بأداء مبلغ معيّن (le mandat pur et simple de payer une somme déterminée)، ويرِدُ عملياً في معظم الشيكات بالعبارة التالية: "ادفعوا مقابل هذا الشيك"(Payez contre ce chèque) أو ما يُماثلها.
  ومن المعلوم أن المشرّع المغربي لَم يُقيّد طريقة كتابة مبلغ الشيك، إذ يجوز إنشاؤه بالأرقام فحسب، أو بالحروف فحسب، أو بالأرقام والحروف في آن واحد.
  ورغم أن صيغ الشيكات التي تسلِّّمها البنوك في المغرب للزبائن تتضمن مكان كتابة المبلغ بالأرقام في أعلى الشيك على اليمين وبالحروف في المَتن، إلا أن هذا الأمر قُرِّر فقط لأغراض تنظيمية غير مُلزِمة. لكن، ماذا لو وقع خطأ أو سهو في تحرير هذا المبلغ، مِمّا أدى إلى اختلاف في القيمة المكتوبة على الشيك؟ ما هو الحكم القانوني في هذه الحالة؟
  للحيلولة دون ضياع الحقوق ودرءاً لأي نزاع، وضع القانون المغربي حلول قانونية نهائية لرفع أي اختلاف في المبلغ المكتوب على الشيك، وسنسلّط الضوء على هذه الحلول الفاصلة، مع إبراز يترتب عليها من مسؤولية بنكية في حال عدم احترامها من طرف المؤسسة البنكية.
عدم التطابق بين المبلغ المحرر في الشيك في القانون المغربي
عدم تطابق المبلغ المكتوب في الشيك لوجود خطأ أو غلط في كتابته

1. الحلول الإلزامية لاختلاف مبلغ الشيك: المادة 247 من مدونة التجارة

  درءاً لأي خطأ أو غلط في المبلغ المُحرر على الشيك، وضع القانون المغربي قواعد قانونية آمرة على شكل حلول يُصار إليها لرفع أي اختلاف في المبلغ المكتوب على الشيك، وذلك في المادة 247 من مدونة التجارة التي تنص على أنه:
«إذا حُرِّر مبلغ الشيك بالأحرف والأرقام في آن واحد اعتُبر المبلغ المحرّر بالأحرف عند الاختلاف.
إذا حُرّر المبلغ عدة مرّات سواء بالأحرف أو بالأرقام اعتُبر أقلّ مبلغ عند الاختلاف.
وفي هاتين الحالتين، يُلزم المسحوب عليه بأداء الشيك وفقاً للمقتضيات المذكورة أعلاه».

 ☚ يتبين من خلال استقراء نص هذه المادة أنها تستوعب كل الحالات التي قد تطرح في إطار الممارسة العملية في المجال البنكي، وذلك على النحو الورد في الجدول الآتي:
الحالة المحتملة لكتابة المبلغ الحل القانوني الملزِم
بالأرقام + بالأحرف + اختلاف القيمة الصّرف على أساس المبلغ المحرَّر بالأحرف.
بالأرقام والأحرف عدة مرات + اختلاف القيمة الصّرف على أساس أقل مبلغ محرَّر بالأحرف.
بالأرقام فقط عدة مرات + اختلاف القيمة الصّرف على أساس أقل مبلغ محرَّر بالأرقام.
بالأحرف فقط عدة مرات + اختلاف القيمة الصّرف على أساس أقل مبلغ محرَّر بالأحرف.

 وهذه المقتضيات من النظام العام يجب الالتزام بها ولا يجوز مخالفتها، وبالتالي فهي ملزِمة للمسحوب عليه أي للمؤسسة البنكية المُخاطبة بأحكام هذه المادة، والتي عرفتها المادة (241 - الفقرة 2) من مدونة التجارة بأنها: 
«كل مؤسسة قرض وكل هيئة يخول لها القانون صلاحية مسك حسابات يمكن أن تسحب عليها الشيكات».
لكن ماذا لو أقدمت المؤسسة البنكية على إرجاع الشيك المقدَّم إليها من طرف المستفيد أو الحامل بدعوى وجود اختلاف في تحرير المبلغ؟

2. المسؤولية البنكية عن مخالفة المادة 247 من مدونة التجارة

  بالرجوع إلى دورية والي بنك المغرب (N°:5/G/97) المتعلقة بشهادة رفض أداء الشيك (Certificat de refus de paiement de Chèque)، نجدها تنص في المادة 2 على أن عدم التطابق بين المبالغ المكتوبة في الشيك يعتبر من بين الأسباب التي تخول للمؤسسة البنكية رفض الأداء، حيث جاء فيها:
«تتضمن أسباب رفض الأداء التي يمكن ذكرها في شهادة رفض الأداء، على الخصوص، ما يلي:
● ...
● عدم تطابق المبلغ بالأحرف والأرقام (ما عدا في حالة تقديم الشيك للأداء بالشباك ورغبة المستفيد في أن يُصرف له الشيك على أساس المبلغ المكتوب بالأحرف)؛ ....».
 ☚ ومن الملاحظ أن المادة 2 المذكورة تتناقض بشكل مباشر -بحسب مفهوم التّناقض المقرّر في علم المنطق- مع مقتضيات المادة 247 من مدونة التجارة التي تعتبر قاعدة صرفية صريحة ومُلزمة، وبالتالي تعتبر باطلة، ويتم تطبيق مقتضيات المادة الأخيرة.

  هذا، ويمكن أن يترتب عن إعمال المادة 2 من منشور والي بنك المغرب من طرف المؤسسة البنكية في مواجهة العملاء قيام المسؤولية البنكية (La Responsabilité Bancaire) في حقها نتيجة الإخلال بالتزام قانوني، وتُعد شهادة رفض الأداء لهذا السبب والتي تُسلَّم للعميل دليلاً قاطعاً على إخلال المؤسسة بالتزام قانوني مقرر لفائدة العميل.
  وتجدر الإشارة إلى أن بعض المؤسسات البنكية المسحوب عليها، حينما يُقدَّم إليها الشيك لصرفه وتعاين وجود غلط أو خطأ مادي في مبلغه أو غلط نحوي أو صرفي (ككتابة أربعون بدلا من أربعين، أو درهم بدلا من درهماً، أو العكس)، تَعمَد إلى رفض صرفه، وتكتفي بتوجيه المستفيد أو حامل الشيك شفهياً إلى صاحب الشيك لاستبداله، دون تقديم شهادة رفض الأداء، وهو ما يشكِّل ممارسة لا سند لها في القانون الصرفي.
  وفي مثل هذه الحالة وغيرها من الحالات المُماثِلة، يمكن للمستفيد أو الحامل بذل المساعي الودية مع المؤسسة البنكية، قبل انتداب المفوض القضائي لطلب معاينة الامتناع عن الوفاء وسببه وتحرير محضر رسمي بذلك لحفظ حقوقك. هذا المحضر يُعدُّ دليل إثبات قاطع على إخلال البنك المسحوب عليه بالتزاماته القانونية تجاه العميل، ويُرتب حقه في المطالبة القضائية بالتعويض عن الضرر المترتب على الامتناع غير المبرر عن صرف الشيك.

  وتكون المؤسسة البنكية المسحوب عليها (المفتوح لديها حساب السّاحب - صاحبُ الشيك) مسؤولة تُجاه المستفيد أو الحامل، ولَو في الحالة التي يقدِّم فيها هذا الأخير الشيك لمؤسسة بنكية أخرى (المؤسسة المفتوح لديها حسابه) للاستخلاص عبر المقاصة ويرتَدّ بسبب "عدم تطابق المبلغ المُحرّر في الشيك".

  ذلك أنه في نازلة معروضة أمام المحكمة التجارية بالدار البيضاء، تقدّم شخص أمام مؤسسة بنكية لاستخلاص قيمة شيك يتضمن اختلافاً بين المبلغ المحرر بالأرقام (75.000 درهم) وبالحروف (55.000 درهم)، وامتنع البنك عن وفاء قيمة الشيك للاختلاف المذكور، مستنداً في رفضه إلى دورية والي بنك المغرب التي تمنع صرف الشيك في هذه الحالة، وقد تمسّك البنك المدعى عليه أمام المحكمة بكون شهادة رفض الأداء صدرت من بنك آخر في إطار عملية المُقاصة.
  وقد ردّت المحكمة جميع الدفوع المثارة من قِبل البنك، وصرحت بمسؤوليته لعدم احترام المقتضيات القانونية المؤطرة للموضوع، وبتعويض المدعي ب 5000 درهم عن الضرر من الخطأ المرتكب من طرفه والمتمثِّل في عدم صرف قيمة الشيك في حدود المبلغ المحرر بالأحرف، وذلك بتعليل مؤدَّاه:
✔ أن مقتضيات المادة 247 من مدونة التجارة جاءت بصيغة الوجوب، وأن دورية والي بنك المغرب لا يمكن فرضها على الغير ما دامت تستهدف تنظيم العمل داخل المؤسسات البنكية، وأن إخلال البنك بالالتزام القانوني بأداء مبلغ الشيك المحرر بالحروف يجعل خطأه ومسؤوليته قائمين.
✔ أن دفع البنك المسحوب عليه بأن المسؤول عن رفض الأداء هو البنك الآخر الذي قُدم إليه الشيك للصرف عبر المقاصة الإلكترونية، يبقى غير جدير بالاعتبار ويتعين عدم الالتفات إليه، على اعتبار البنك المسحوب عليه الشيك يبقى هو المسؤول الوحيد عن جميع المعلومات المضمَّنة بالشهادة الممنوحة للمستفيد، وأن البنك المانح للشهادة يعتبر فقط وكيلاً عن الأول وفقاً لما هو منصوص عليه في الاتفاقية المبرمة بين بنك المغرب والقطاع البنكي بشأن نظام المقاصة الإلكترونية.

خُلاصة القول: إن الحلول التي يتم إعمالها في حالة وجود خطأ أو غلط أدى إلى اختلاف في مبلغ الشيك، تُعدّ جزءاً أساسياً من قانون الصرف الذي تُعتبر قواعده من النظام العام.
  وبتطبيق تلك الحلول القانونية على الوضعيات العملية ينقضي الالتزام الصرفي، ولا يبقى لمن ضاع له حقه في مجال قانون الصرف سوى اللجوء إلى القانون العادي الذي يوفر إمكانيات أخرى لاقتضاء الحق، كإقامة الدعوى بناء على العلاقات السابقة على الالتزام الصرفي أو دعوى الغلط أو دعوى الدفع غير المستحق أو دعوى الالثراء بلا سبب.

وهذا كلّ ما في الأمر

⏤ هل سبق أن واجهت رفضاً لصرف شيك بسبب هذا الاختلاف؟ 
شاركنا تجربتك أو رأيك أو سؤالك حول الموضوع في المكان المُخصَّص للتعليقات أدناه، ولا تنسَ مشاركة المقال مع من تراه مُهتماً بالموضوع!

ミ المصادر والمراجع: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◈ القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.96.83 في 15 من ربيع الأول 1417 (فاتح أغسطس 1996)، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 4418 بتاريخ 19 جمادى الأولى 1417 (3 أكتوبر 1996)، الصفحة 2187.
◈ دورية والي بنك المغرب (N°:5/G/97) المتعلقة بشهادة رفض أداء الشيك، الصادرة في 15 جمادى الأولى 1418/الموافق: 18 سبتمبر 1997 (غير منشورة في الجريدة الرسمية). 
◈ أحمد شكري السباعي، الوسيط في الأوراق التجارية (دراسة معمقة في قانون التجارة المغربي الجديد وفي اتفاقية جنيف للقانون الموحد وفي القانون المقارن)، الجزء الثاني: في آليات وأدوات الوفاء (الشيك ووسائل الأداء الأخرى)، الطبعة 1 لسنة 1998 م.
◈ حكم المحكمة التجارية بمراكش رقم 694، بتاريخ: 2018/03/15، ملف رقم: 2017/8221/2858.
- تاريخ آخر تحديث: 2025/12/20
Achraf Lamine
Achraf Lamine Legal Researcher and Master of Laws (LL.M.) holder, specializing in the analysis of legislative texts and judicial precedents. I dedicate my expertise at "Arable Law Hub" to simplifying legal culture and making it accessible to everyone, driven by the conviction that legal awareness is the fundamental cornerstone of the rule of law.
More about the author ➚

Post a Comment for "اختلاف المبلغ المكتوب على الشيك: الحل القانوني والمسؤولية البنكية في القانون المغربي"