الشيك في القانون المغربي: تنظيمه - تعريفه - وظيفته (2025)
قد يبدو الشيك في نظرك مجرد ورقة عادية وبسيطة لتسوية المعاملات المالية، إلا أن الممارسة العملية في المغرب أبانت عن كونه أكثر الأوراق التجارية انتشاراً في المعاملات اليومية بين الأشخاص تليه الكمبيالة. فبقدر ما للشيك من أهمية اقتصادية، فإنه يمكن أن يجعل صاحبه محلاً للمساءلة القانونية، سواء مدنياً أو جنائياً، عند أدنى جهل بـ أحكامه الدقيقة، وهنا يكمن الفخّ... لذلك، فإن الإلمام بأحكام الشيك في القانون المغربي يظل ضرورة عملية حتمية لأي شخص لضمان أمان المعاملات التي يُجريها.
في هذا المقال، سنتحدث بـدقة قانونية عن الإطار القانوني المنظم للشيك وفق مدونة التجارة، ونقدم التعريف الدقيق له وفق ما استقر عليه الفقه والقضاء والتشريع، بالإضافة إلى تحديد وظيفته الأساسية وبيان حدود هذه الوظيفة خاصة فيما يتعلق بالقوة الإبرائية للديون.
![]() |
| الشيك في القانون المغربي |
1. القانون المنظم للشيك في المغرب
قبل التطرق للقانون الذي ينظم الشيك، لابد من الحديث عن التطور التاريخي لتشريع الشيك، وذلك على النحو الآتي:
❖ كان تنظيم بالشيك بمقتضى قانون الالتزامات والعقود (القسم 6 منه المتعلق بانقضاء الالتزامات - تتظيم مسألة الوفاء بالشيك)، بالإضافة إلى تنظيم باقي أحكامه بموجب ظهير 25 ماي 1927.
(ملاحظة: لم يتم تنظيم أحكام الشيك في مدونة قانون التجارة الصادرة بتاريخ 9 رمضان 1931/الموافق ل 12 غشت 1913).
❖ ثم صدر لاحقاً ظهير 28 ذو القعدة 1357/الموافق ل 19 يناير 1939 الخاص بتنظيم الشيك.
(ملاحظة: ألغى هذا الظهير أحكام الوفاء بالشيك المضمّنة في قانون الالتزامات والعقود، وكذا مقتضيات ظهير 25 ماي 1927، وتبنى اتفاقية جنيف في شأن توحيد أحكام الشيك).
❖ أُدخلت على ظهير 19 يناير 1939 المنظم للشيك مجموعة من التعديلات بمقتضى مجموعة من الظهائر كما يلي:
◉ ظهير 27 مارس 1954.
◉ ظهير 23 غشت 1955.
◉ ظهير 10 يناير 1959.
❖ وبعد هذا ظهير 19 يناير 1939 والتعديلات المدخلة عليه، صدر القانون 15.95 المتعلق بمدونة التجارة في 13 ماي 1996.
وقد تم تضمين هذه المدونة المقتضيات المتعلقة بأحكام الشيك كورقة تجارية إلى جانب الأوراق التجارية الأخرى، وتحديداً في الكتاب الثالث المعنون بـ: "الأوراق التجارية".
☜ ملاحظة هامة: لم تدخل مقتضيات هذا الكتاب حيز التنفيذ إلا بعد مرور سنة من تاريخ نشر المدونة في الجريد الرسمية، وبالتالي فإن العمل بأحكام الشيك وباقي الأوراق التجارية الأخرى بدأ فِعلياً بتاريخ 3 أكتوبر 1997.
ولقد خصص المشرع للشيك القسم الثالث من الكتاب الثالث تحت عنوان: "الشيك" (المواد: من المادة 239 إلى المادة 333)، وذلك على النحو الآتي:
⌾ الباب 1: إنشاء الشيك وشكله
⌾ الباب 2: تداول الشيك
⌾ الباب 3: الضمان الاحتياطي
⌾ الباب 4: التقديم والوفاء
⌾ الباب 5: الشيك المُسطَّر
⌾ الباب 6: الرجوع لعدم الوفاء
⌾ الباب 7: تعدد النظائر
⌾ الباب 8: تغيير الشيك
⌾ الباب 9: التقادم
⌾ الباب 10: الاحتجاج
⌾ الباب 11: أحكام عامة وزجرية
2. تعريف الشيك في القانون المغربي
على غرار العديد من التشريعات المقارنة، لم يضع المشرع المغربي أي تعريف للشيك في مدونة التجارة الحالية. يُعزى هذا الاختيار غالباً إلى ترك مهمة التعريف للفقه والقضاء، تجنباً لتجميد التعريف في نص قانوني قد تتجاوزه الممارسة العملية. ومع ذلك، يمكن اعتماد التعريف الدقيق الذي صاغه الفقيه القانوني الأستاذ أحمد شكري السباعي بناء على ما استقر عليه الفقه والقضاء، على النحو الآتي:
☜ «الشيك هو تصرف قانوني، يحرَّر على ورقة أو صك وفقاً لإجراءات وبيانات حدّدها القانون، ويتضمن أمراً يصدر عن شخص يسمى السّاحب، يوجَّه إلى مؤسسة بنكية أو هيئة مماثلة لديها رصيد قابل للتّصرف فيه، تُدعى المسحوب عليه، بأن تفي بمجرد الاطلاع بمبلغ معيَّن من النقود لإذن شخص ثالث يُطلق عليه المُستفيد أو الحامل».
☚ من خلال هذا التعريف يتبين أن:
✔ الشيك تصرف قانوني، يتم بإرادة منفردة ويخضع لقانون الصرف، وكذا للشكل الذي حدّده القانون.
✔ يتضمن ثلاثة أطراف: الساحب - المسحوب عليه - المستفيد.
✔ المسحوب عليه في الشيك لا يمكن أن يكون شخصاً ذاتياً أو شخصاً اعتبارياً عاماً أو خاصاً، ويكون دائماً مؤسسة بنكية أو هية مماثلة لها فقط.
✔ محل الشيك يكون دائماً مبلغاً مُعيّنا من النقود.
3. وظيفة الشيك في القانون المغربي
تحديد وظيفة الشيك هو جوهر فهم أحكامه. يمكن تلخيص وظيفته في نقطتين محوريتين:
أ. الوظيفة الأساسية: الشيك أداة وفاء
الوظيفة الجوهرية التي وُجد الشيك من أجلها هي الوفاء (الأداء)، حيث يلعب دور البديل المباشر للنقود في الوفاء.
وقد أكدت المادة 267 من مدونة التجارة على هذه الوظيفة من خلال النص على أن أن الشيك يكون مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع (Le chèque est payable à vue).
وما دام أنه يُفترض أن لكل التزام سبب حقيقي ومشروع ولو لم يُذكر (المادة 63 من قانون الالتزامات والعقود)، فإن سبب إصدار الشيك للوفاء يرتبط دائما بأطراف العلاقة والمعاملات الدائرة بينهم، فقد يكون سبب إصداره:
◎ أداء دين.
◎ تقديمه هبة.
◎ دفع أجرة كراء.
◎ تقديمه قرضاً.
◎ أداء ثمن منقول أو عقار.
ومع ذلك، يتداول الشيك بعيداً عن هذا السبب، تطبيقاً لخاصية التجريد التي تميز الأوراق التجارية. ولكن، لإثبات المعاملة الأصلية، يمكن تضمينه السبب الذي من أجله وقع الوفاء، ويُفترض أن السبب المذكور هو السبب الحقيقي إلى أن يُثبت العكس (المادة 64 من قانون الالتزامات والعقود).
ب.︎ هل للشيك قوة إبرائية من الديون؟
هنا يكمن فرق جوهري: إذا كان الشيك يحل محل النقود في الوفاء (le paiement)، فهذا لا يعني أن له ذات القوة الإبرائية (force libératoire) التي تتمتع بها النقود.
النقود لها سعر إلزامي وتؤدي دور الوفاء والإبراء الفوري للذمة. أما الشيك، فلا.
النتيجة العملية:
◉ يحق لأي طرف أن يرفض التعامل بالشيك ويطلب الأداء نقداً، ما دام الشيك ليس نقوداً (إلا في الحالات الاستثنائية التي يوجب فيها القانون صراحة التعامل به وسنتحدث عنها في موضوع مستقل).
◉ الأهم من ذلك، أن مجرد تسليم الشيك للدائن لا يُبرئ ذمة الساحب (المدين).
لا تبرأ ذمة الساحب إلا في لحظة استيفاء الحامل أوالمستفيد لقيمة الشيك فعلياً من البنك (المسحوب عليه). إذا لم يتم الحصول على قيمته (لأي سبب من الأسباب)، يبقى الالتزام الأصلي قائماً، وتنشأ مسؤولية الساحب عن الشيك كالتزام عادي أو كالتزام صرفي، وقد تضاف إليها المسؤولية الجنائية في الحالات التي يوجبها القانون.
يتضح إذن أن الشيك في المغرب ليس مجرد ورقة عادية، بل هو تصرف قانوني صارم تحكمه نصوص آمرة في مدونة التجارة. ففهمنا العميق لوظيفته الأساسية كأداة وفاء مستحقة الأداء بمجرد الاطلاع، وتمييزنا الدقيق بينه وبين النقود (خاصة من حيث القوة الإبرائية المحدودة للشيك)، هو خط الدفاع الأول لتجنب أي مساءلة قانونية جرَّاء إساءة استعماله.
لقد وضعنا الآن الأساسيات: كيف نُظّم الشيك، ما هو تعريفه، وما هي وظيفته. لكن بعد هذا التحليل، يبقى سؤال جوهري يثير جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والعملية، وهو:
هل يُعتبر إصدار الشيك عمل تجاري أم عمل مدني؟
سؤال جوهري تترتب عليه آثار قانونية مهمّة، وسنتناوله بالتفصيل في مقالنا القادم.
⏤ والآن، نود أن نسمع منك: ما هي أصعب إشكالية واجهتك يوماً أثناء التعامل بالشيك في المغرب؟ شاركنا تجربتك أو استفسارك في التعليقات أدناه لكي يستفيد الجميع، ولا تنسَ مشاركة هذا المقال مع المُهتمين.
⬅ آخر تحيين للمقال تم بتاريخ: 2025/10/19.
ミ المصادر: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◈ القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.96.83 في 15 من ربيع الأول 1417 (فاتح أغسطس 1996)، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 4418 بتاريخ 19 جمادى الأولى 1417 (3 أكتوبر 1996)، الصفحة 2187.
◈ الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود، كما تم تعديله وتتميمه.
◈ أحمد شكري السباعي، الوسيط في الأوراق التجارية (دراسة معمقة في قانون التجارة المغربي الجديد وفي اتفاقية جنيف للقانون الموحد وفي القانون المقارن)، الجزء الثاني: في آليات وأدوات الوفاء (الشيك ووسائل الأداء الأخرى)، الطبعة 1 لسنة 1998 م.

Post a Comment for "الشيك في القانون المغربي: تنظيمه - تعريفه - وظيفته (2025)"
✛ Join the Discussion! 💬 Do you have insights or inquiries regarding this article? Share your perspectives with the specialized "Arable Law Hub" community. We welcome constructive contributions that enrich the legal discourse.
⚠ NOTICE: As part of our quality assurance process, all comments are subject to review and moderation. Abusive, promotional, or irrelevant content will not be published.