المحكمة الدستورية: إسناد تعيين المحافظين القضائيين العامين للسلطة التنفيذية مخالف للدستور
بعد اطلاعها على القانون التنظيمي رقم 026.26 في شقه المتعلق بــ ″إضافة منصب المحافظين القضائيين العامين إلى لائحة المناصب العليا بالإدارات العمومية التي يتم التداول في شأن التعيين فيها بمرسوم في مجلس الحكومة″، القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، المحال إليها بمقتضى رسالة رئيس الحكومة في 21 يوليو 2026؛ شرعت المحكمة الدستورية (La Cour Constitutionnelle) في ممارسة اختصاصها الأصيل بموجب الفقرة الثانية من الفصل 132 من الدستور، للبت في مدى مطابقة هذه التعديلات للوثيقة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها.

قراءة تحليلية في تعليل المحكمة الدستورية بشأن إدراج منصب المحافظين القضائيين العامين إلى المناصب العليا
أسّست هذه المحكمة قرارها القاضي برفض هذا التعديل التشريعي على المرتكزات الدستورية التالية:
1. الاستقلال العضوي والمؤسساتي كترجمة فعلية لفصل السلط
استندت المحكمة إلى قراءة منسجمة للفصول 107، 113 (الفقرة 2)، و 116 (الفقرة 2 و3) من الدستور، مؤكدة أن استقلال السلطة القضائية (الذي يضمنه جلالة الملك) ليس مجرد شعار، بل هو مبدأ دستوري أساسي يستوجب حتماً استقلالاً عضوياً ومؤسساتياً (L'indépendance organique et institutionnelle) للمجلس الأعلى للسلطة القضائية (Le Conseil Supérieur du Pouvoir Judiciaire- CSPJ).
هذا الاستقلال يمنح المجلس سيادة كاملة في تدبير شؤونه الداخلية، بما في ذلك تعيين أطره، ويحصن هياكله الإدارية والمالية من أي إشراف أو تبعية للسلطة التنفيذية أو لأي سلطة أخرى.
2. التناقض العضوي: ولاية الحكومة على موظف قضائي
اعتبرت المحكمة أن إدراج منصب "المحافظين القضائيين العامين" (Les conservateurs judiciaires généraux) ضمن المناصب التي يعين فيها بمرسوم في مجلس الحكومة، يخلق مفارقة قانونية غير مقبولة؛ فهذا الإجراء يُخضع موظفاً يمارس مهامه حصرياً داخل أسوار المجلس الأعلى للسلطة القضائية، لولاية السلطة التنفيذية من حيث أداة التعيين.
وهو ما يشكل ضرباً مباشراً للاستقلال المؤسساتي والتنظيمي الذي خص به المشرع الدستوري السلطة القضائية.
3. عدم قابلية الاستقلال القضائي للتجزئة (مبدأ التحصين)
أرست المحكمة الدستورية قاعدة ذهبية مفادها أن الاستقلال القضائي غير قابل للتجزئة. وبناءً عليه، فإن أي تعيين في منصب يحمل مسؤولية إدارية أو مالية داخل هياكل المجلس، يجب أن يكون مصدره السلطة القضائية ذاتها.
وأن الغاية من هذا المبدأ هي إغلاق الباب أمام أي تأثير أو توجيه – ولو كان غير مباشر – قد تمارسه السلطة التنفيذية من خلال التعيينات الإدارية.
4. حماية التسيير الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية من تفريغ محتواه
أوضحت الحيثيات أن وظيفة "المحافظ القضائي العام"، بطبيعتها، تندرج بشكل تلازمي في تدبير الشؤون الخاصة بالمجلس. وبالتالي، فإن ترك مفاتيح تعيين هذا المنصب بيد الحكومة يُعد تدخلاً صريحاً في التسيير الداخلي لسلطة دستورية مستقلة، مما يفرغ الاستقلال المالي والإداري للمجلس من محتواه الحقيقي.
منطوق القرار:
تأسيساً على ما سبق من تعليل منطقي محكم، صرحت المحكمة الدستورية بأن إسناد اختصاص تعيين "المحافظ القضائي العام" بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى السلطة التنفيذية، يُعد مخالفاً للدستور (Non conforme à la Constitution / Inconstitutionnel).
المرجع: قرار المحكمة الدستورية رقم: 278/26 م.د، الصادر بتاريخ: 10 غشت 2026 (ملف عدد: 334/26).
⸺ إذا كان لديك أي تساؤل أو رأي حول الموضوع يمكنك مشاركته في قسم التعليقات أدناه حتى تعم الفائدة.
إرسال تعليق for "المحكمة الدستورية: إسناد تعيين المحافظين القضائيين العامين للسلطة التنفيذية مخالف للدستور"
✛ انضم إلى التعليقات!
💬 هل لديك رؤى أو استفسارات بخصوص هذا المحتوى؟ شارك وجهات نظرك مع مجتمع "مدونة القانون العربي" المتخصص.
نرحب بالمساهمات البناءة التي تثري المحتوى القانوني.
⚠ إشعار: في إطار مراقبنتا للجودة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة والتدقيق. لن يتم نشر المحتوى المسيء، أو الترويجي، أو غير ذي الصلة.