التسول الإلكتروني وعقوبته في النظام السعودي (2025)
في خضم التطور الرقمي الذي شهده العالم، برزت ظاهرة جديدة ألقت بظلالها على الفضاء الرقمي العام، ألا وهي "التسول الإلكتروني". هذه الممارسة، التي تحولت من الشوارع إلى شاشات الهواتف، أثارت جدلاً واسعًا وتساؤلات قانونية جوهرية حول مدى شرعيتها.
ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أنها مجرد وسيلة حديثة لطلب العون المالي، تبرز الدولة رؤية مختلفة تمامًا، مؤكدة على ضرورة حماية المجتمع من مخاطر الاحتيال والاستغلال ومنع استنزاف موارد الدعم. وفي هذا السياق، يأتي هذا المقال لاستعراض موقف النظام القانوني السعودي من هذه الظاهرة، وكشف أبعادها القانونية المختلفة.
![]() |
| التسول الإلكتروني وعقوبته في النظام السعودي |
1. تعريف التسول الإلكتروني في النظام السعودي
بناءً على أحكام المادة 1 من نظام مكافحة التسول، يمكن تعريف التسول الإلكتروني أو الرقمي بأنه: الاستِجداء للحصول على مال الغير دون مقابل أو بمقابل غير مقصود بذاته نقداً أو عيناً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في وسائل التقنية والتواصل الحديثة.
والمتسول الإلكتروني يُعرف بأنه كلّ من يقوم بالفعل المذكور للغرض المذكور باستعمال الوسائل المذكورة.
ولتقريب معنى التسول الإلكتروني في القانون السعودي انطلاقا من التعريف الذي أوردناه(...):
✔ الاستجداء: هو طلب المال أو المنفعة بشكل مباشر أو غير مباشر، مع إظهار الحاجة أو الفقر أو المرض أو أي حالة تدعو للشفقة.
✔ الحصول على مال الغير: القصد الأساسي من هذا الفعل هو الحصول على المال أو أي منفعة مادية، سواء كانت نقدًا أو عينيًا (سلعة).
✔ دون مقابل أو بمقابل غير مقصود بذاته: هذا هو جوهر الجريمة. فالتسول يختلف عن البيع أو تقديم الخدمات الحقيقية. المقابل "غير المقصود بذاته" يعني أن المقابل المقدَّم هو مجرد ذريعة أو غطاء لعملية التسول، وليس الهدف الحقيقي من التعامل. فمثلاً، قد يبيع المتسول شيئًا رمزيًا وبسيطًا جدًا مقابل مبلغ كبير، يكون الهدف منه في الواقع هو الحصول على المبلغ كصدقة أو إعانة وليس مقابل القيمة الحقيقية للشيء.
✔ طريقة مباشرة أو غير مباشرة: يشمل التعريف جميع أساليب التسول، سواء كانت صريحة (مثل "أنا بحاجة للمساعدة، تبرعوا لي") أو غير صريحة (مثل عرض قصة حزينة أو حالة مرضية دون طلب صريح للمال، ولكن بشكل يدفع الآخرين للتبرع).
✔ في وسائل التقنية والتواصل الحديثة: يحدد هذا الجزء نطاق الجريمة بأنها تحدث عبر الإنترنت، مثل مواقع التواصل الاجتماعي، البريد الإلكتروني، أو أي منصة إلكترونية أخرى.
2. أمثلة عن التسول الإلكتروني
لإيضاح المقصود بالتسول الإلكتروني والذي يعاقب عليه النظام السعودي، إليك بعض الأمثلة الواقعية:
❐ المثال الأول: القصة العاطفية المفتعلة.
• شخص ينشر على حسابه في "X" (تويتر سابقًا) قصة مؤثرة ومفصلة عن مرض طفل صغير أو حالة عائلية صعبة، مع نشر صور مفبركة أو مسروقة. لا يطلب المال بشكل صريح، ولكنه يترك رابطًا لحساب بنكي أو محفظة إلكترونية في نهاية المنشور، مما يدفع المتعاطفين إلى التبرع له.
• التحليل: هنا الفعل هو "الاستجداء غير المباشر"، والقصد هو الحصول على المال، والأداة هي منصة تواصل اجتماعي.
❐ المثال الثاني: بيع سلعة رمزية مقابل مبلغ كبير.
• شخص ينشئ حسابًا على "انستغرام" ويعرض عليه رسومات بسيطة جدًا، ويحدد سعرًا للرسمة الواحدة بمبلغ مبالغ فيه (مثلاً 500 ريال). في وصف الحساب، يكتب "أبيع هذه الرسومات لمساعدة عائلتي في دفع تكاليف العلاج"، موضحًا أن الهدف ليس قيمة الرسمة بل الحصول على المساعدة المالية.
▪︎ التحليل: هذا مثال على "مقابل غير مقصود بذاته"، حيث الرسمة هي مجرد غطاء لعملية التسول.
❐ المثال الثالث: البث المباشر لإظهار الحاجة.
• شخص يفتح بثًا مباشرًا على "تيك توك" أو أي منصة أخرى، ويقوم بتمثيل حالة فقر أو حاجة شديدة، مثل الجلوس في مكان مظلم أو تناول طعام بسيط جدًا مع تنهدات وحركات تدل على الحزن. عندما يرسل له المتابعون "هدايا" أو تبرعات، يشكرهم ويستمر في التمثيل، دون تقديم أي محتوى ذي قيمة حقيقية.
• التحليل: هذا سلوك "استجداء مباشر" يستخدم أدوات البث المباشر.
❐ المثال الرابع: استغلال الأطفال.
• شخص بالغ (أب، أم، أو قريب) يقوم بإنشاء حساب على وسائل التواصل الاجتماعي وينشر مقاطع فيديو لطفل صغير وهو يقوم بعمل حركات عاطفية أو يردد عبارات حزينة، مع طلب التبرعات بحجة "مساعدة هذا الطفل".
• التحليل: في هذا المثال، الشخص البالغ هو المتسول الإلكتروني الذي يستغل شخصًا آخر (الطفل) لتحقيق غرضه الإجرامي.
✛ يجب التنويه إلى أن بعض هذه الممارسات قد تتداخل مع جرائم أخرى أكثر خطورة، مثل الاتجار بالأشخاص...، وفي هذه الحالات، يتم توصيف الفعل بالوصف الأشد عقوبة.
3. عقوبة التسول الإلكتروني في النظام السعودي
![]() |
| عقوبة التسول الإلكتروني في السعودية |
يحظر نظام مكافحة التسول، في مادته الثانية، التسول بجميع صوره وأشكاله، بغض النظر عن دوافعه. وتتفاوت الإجراءات التي تتخذها الجهات المختصة ضد المتسولين إلكترونيًا بحسب عدد مرات ضبطهم.
☜ إذا تم القبض على المتسول للمرة الأولى:
في هذه الحالة، لا تُفرض أي عقوبة أو غرامة على المتسول، بل يتم الاكتفاء بتحرير محضر ضبط للواقعة وتجريده من المبالغ أو المقتنيات التي بحوزته. كما يُسجل إسمه في قاعدة بيانات المتسولين دون إحالته إلى النيابة العامة. وتخضع هذه الحالة لـ إجراءات التعامل مع المتسولين لأول مرة في نظام مكافحة التسول التي تختلف بحسب ما إذا كان المتسول الرقمي سعوديا أو غير سعودي.
☜ إذا تم القبض على المتسول للمرة الثانية أو أكثر:
في هذه الحالة، يُعتبر المتسول ممتهنًا للتسول. وتُرفع قضيته إلى النيابة العامة ليُلاحَق بـ جريمة امتهان التسول وعقوبتها. وتُثبت هذه الجريمة بتسجيل إسمه في قاعدة بيانات المتسولين للمرة الثانية.
وخلاصة القول، إن انتقال ظاهرة التسول من الأرصفة إلى الفضاء الرقمي جعلها تحديًا أمنيًا واقتصاديًا يستوجب تضافر الجهود. وفي هذا السياق، أظهرت المملكة العربية السعودية التزامًا راسخًا بمواجهة هذا الخطر، فوضعت منظومة قانونية متكاملة لا تقتصر على تجريم فعل التسول، بل تمتد لتوفير قنوات رسمية لدعم الفئات المستحقة.
وقد بات من الواضح أن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق الجهات المختصة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب وعيًا عميقًا من كل فرد. فكل تفاعل مباشر مع المتسولين، وكل تبرع خارج الإطار الرسمي، يغذي شبكات منظمة تستغل الضعفاء وتقوض مساعي الدولة في تنظيم العمل الخيري.
وعليه، فإن مكافحة التسول الرقمي تتطلب منا جميعًا التحلي باليقظة والمساهمة الفاعلة في الإبلاغ عن أي سلوك مشبوه. فالأمن المجتمعي لا يتحقق إلا بتطبيق القانون بصرامة، ولا يمكن أن يتم ذلك بمعزل عن الشعور بالمسؤولية الفردية الذي يُترجم إلى تعاون مثمر مع الجهات الأمنية والخيرية.
وهذا كلّ ما في الأمر
⸺ إذا كان لديك أي رأي أو تساؤل حول الموضوع، لا تتردّد في طرحه في المكان المخصص للتعليقات أسفله.
ミ المصادر والمراجع: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◈ نظام مكافحة التسول، الصادر بتاريخ: 1443/02/09هـ الموافق: 16/09/2021مـ، بموجب المرسوم الملكي رقم (م/20) وتاريخ 1443/2/9هـ وبناءً على قرار مجلس الوزراء رقم (100) وتاريخ 1443/2/7هـ، والمنشور بتاريخ: 1443/02/17هـ الموافق: 24/09/2021مـ.
- تاريخ آخر تحديث: 2025/12/20


Post a Comment for "التسول الإلكتروني وعقوبته في النظام السعودي (2025)"
✛ Join the Discussion! 💬 Do you have insights or inquiries regarding this article? Share your perspectives with the specialized "Arable Law Hub" community. We welcome constructive contributions that enrich the legal discourse.
⚠ NOTICE: As part of our quality assurance process, all comments are subject to review and moderation. Abusive, promotional, or irrelevant content will not be published.