هل يقيَّد الأصل التجاري في الرسم العقاري وفقاً للقانون المغربي؟

  من المعلوم أن الأصل التجاري يمكن أن يكون مملوكاً أو مستغَلاً على عقار محفظ أو غير محفظ. وتبعا لذلك قد يكون في ملكية صاحب العقار، كما قد يكون في ملكية مكتري (Locataire) ذلك العقار. وفي كلتا الحالتين يمكن لمالكه، بصرف النظر عن أساس ملكيته، أن يضعه محل حق استغلال فقط لفائدة الغير عن طريق التسيير الحر (Gérance libre).
  وإذا كان العقار موطن الأصل التجاري غير محفظ، فلا يُطرح إشكال في هذا الصدد ما دام أنه لا يخضع لمقتضيات ظهير التحفيظ العقاري وما دام أن إثبات وجود الأصل التجاري به أمر ممكن بجميع وسائل الإثبات. وعلى العكس من ذلك إذا كان العقار محفظاً سواء قبل وجود الأصل التجاري أو بعده، وهنا تُطرح عملياً عدة تساؤلات منطقية، وذلك على النحو الآتي:
  • هل يؤدي تأسيس الرسم العقاري النهائي عن طريق التحفيظ العقاري (Immatriculation foncière) إلى تطهير العقار المحفظ المؤسس عليه الأصل التجاري من ملكية هذا الأصل؟
  • وهل التصرف في العقار المحفظ بمشتملاته والمؤسس عليه الأصل التجاري يؤدي حتماً إلى انتقال ملكية هذا الأصل إلى الغير؟
  • وهل يمكن لمالك الأصل التجاري إشهار الأصل التجاري في الرسم العقاري المؤسِّس للعقار للاحتجاج به في مواجهة مالك العقار المحفظ أو الغير الذي قد يؤول إليه العقار؟
 وذلك من منطلق تطبيق مقتضيات الفصلين 65 و 82 من ظهير 12 أغسطس 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري، والذي جاء فيهما ما يلي:
   ⌾ الفصل 65: 
«يجب أن تُشهر بواسطة تقييد في الرسم العقاري، جميع الوقائع والتصرفات والاتفاقات الناشئة بين الأحياء مجانية كانت أو بعوَض، وجميع المحاضر والأوامر المتعلقة بالحجز العقاري، وجميع الأحكام التي اكتسبت قوة الشيء المقضي به (Autorité de la chose jugée)، متى كان موضوع جميع ما ذكر تأسيس حق عيني عقاري (Droit réel immobilier) أو نقله إلى الغير أو الإقرار به أو تغييره أو إسقاطه، وكذا جميع عقود أكرية العقارات لمدة تفوق ثلاث سنوات، وكل حوالة لقدر مالي يساوي كراء عقار لمدة تزيد على السنة غير مستحقة الأداء أو الإبراء منه».
   ⌾ الفصل 82: 
«لتقييد الحقوق العينية العقارية المترتبة عن الإرث يجب على الورثة أو الموصى لهم أن يقدموا للمحافظ على الأملاك العقارية طلباً للتقييد مدعماً بكل الوثائق المثبتة لانتقال الحق لفائدتهم بصفة قانونية.
يجب أن يتضمن الطلب البيانات المنصوص عليها في الفصل 69 من هذا القانون.
يجب أن تنص الوثائق المثبتة لانتقال الحق على نصيب كل واحد من الورثة و الموصى لهم».

  بعد هذه المقدمة، سنجيب عن السؤال موضوع المقال وما تفرع عنه من تساؤلات، بدقة وبشكل حاسم، انطلاقاً من محورين أساسيين وهما:
 إنشاء الأصل التجاري على الملكية العقارية: كيف يتم ذلك قانوناً؟
 الطبيعة القانونية للأصل التجاري: إجابة قاطعة وفق القانون وقضاء محكمة النقض
لماذا لا يُقيَّد الأصل التجاري في الرسم العقاري لدى المحافظة العقارية
تقييد الأصل التجاري في الرسم العقاري

⬅ إنشاء الأصل التجاري على الملكية العقارية: كيف يتم ذلك قانوناً؟

  لَمَّا كان لمالك العقار مطلق الحرية في استعمال واستغلال والتصرف في ملكه بالقدر الذي يسمح به القانون ولا يضر الغير، طبقاً لمقتضيات المادة 19 من مدونة الحقوق العينية (Code des droits réels)، فإن ملكيته العقارية يمكن أن تكون محلاً لتأسيس أصل تجاري، وفق إحدى الطرق الآتية:

1. تأسيس الأصل التجاري من طرف مالك العقار التجاري

  في هذه الحالة نكون أمام مالك يجمع بين ملكيتين: ملكية العقار وملكية الأصل التجاري.
  وأمام هذا الوضع، فإنه لمالك العقار أو المحل التجاري استعمال ملكيته العقارية عن طريق تأسيس أصل تجاري عليها، شرط أن لا يتعسف في استعمال عقاره بما يلحق الضرر بالغير.
  كما يمكن لمالك العقار والأصل التجاري المتواجد به أن يتصرف في هذا الأصل عن طريق إخراجه من ذمته بعوَض أوبغير عوض.
  وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أيضاً لمالك الأصل التجاري المتواجد بملكه العقاري أن يكتفي باستغلاله عن طريق إبرام عقد التسيير الحر مع من يراه أهلاً لتسييره تحت مسؤوليته.

2. تأسيس الأصل التجاري من طرف مكتري العقار التجاري

  خوَّل القانون لمالك العقار أو المحل التجاري إمكانية استغلال ملكه العقاري - التجاري بإكرائه للغير عن طريق إبرام عقد كراء تجاري. 
  وفي هذه الحالة إذا مارس المكتري نشاطه التجاري أو الحرفي أو الصناعي في العقاري المكترى، فإنه ينشأ على هذا العقار المكترى أصلاً تجارياً في ملكية المكتري، الذي يملك بدوره حق استعماله واستغلاله والتصرف فيه بحرية ووفق ما ينص عليه القانون، دون أن يكون لمالك العقار الحق في منعه.

⬅ الطبيعة القانونية للأصل التجاري: إجابة قاطعة وفق القانون وقضاء محكمة النقض

  حددت المادتين 79 و 80 من مدونة التجارة (Code de commerce) المقصود بالأصل التجاري وطبيعته القانونية، وذلك على النحو الآتي:
   ⌾ المادة 79: 
«الأصل التجاري مال منقول معنوي (Bien meuble incorporel) يشمل جميع الأموال المنقولة المخصصة لممارسة نشاط تجاري أو عدة أنشطة تجارية».
   ⌾ المادة 80: 
«يشتمل الأصل التجاري وجوباً على زبناء وسمعة تجارية.
ويشمل أيضاً كل الأموال الأخرى الضرورية لاستغلال الأصل التجاري كالإسم التجاري والشعار والحق في الكراء والأثات التجاري والبضائع والمعدات والأدوات وبراءات الاختراع والرخص وعلامات الصنع والتجارة والخدمة والرسوم والنماذج الصناعية وبصفة عامة كل حقوق الماكية الصناعية أو الأدبية أو الفنية الملحقة بالأصل».
  من خلال مقتضيات هذه المواد يتبين أن طبيعة الأصل التجاري:
❍ عبارة عن منقول معنوي، وهو لذلك حق معنوي منقول لمالكه.
  وقد أكدت محكمة النقض (Cour de cassation) على أنه: «لا يسجَّل وفق طبيعته هذه في الرسم العقاري للعقار الذي يُستغل فيه بوصفه ليس حقاً عينياً عقارياً ويختلف عنه طبيعةً وجوهراً» (صدر هذا القرار بتاريخ 22 مارس 2011 - مشار إلى مرجعه أدناه).

 وهذا يعني أن:
  • الأصل التجاري مستقل عن العقار الذي يُستغل فيه.
  • الأصل التجاري كحق معنوي منقول يتكون من عناصر مادية ومعنوية مستقلة عن باقي مشتملات الملكية العقارية.
  • أن تفويت العقار بمشتملاته (بعوض أو بغير عوض) لا يؤدي بالضرورة إلى تفويت الأصل التجاري المستغَل به، لأن هذا الأخير ينفرد لطبيعته بمسطرة خاصة.

وهنا يبرز تساؤل منطقي: إذا كان الرسم العقاري ليس هو الأداة القانونية لحفظ وإشهار الحقوق المرتبطة بالأصل التجاري، فما هي هذه الأداة؟ 
- الجواب يكمن في السجل التجاري.
فكل التصرفات التي ترد على الأصل التجاري من بيع أو رهن أو تقديم حصة في شركة، يجب أن تقيد في السجل التجاري للمحكمة التي يستغل في دائرتها، وذلك لحفظ الحقوق وللاحتجاج بها في مواجهة الغير. 
فلكل مال طبيعته، ولكل طبيعة سجلها الخاص: السجل العقاري للعقارات، والسجل التجاري للأصول التجارية.

☚ مثال عملي:
شخص يكتري محلاً تجارياً، أسس به أصل تجاري وأصبح مالكاً ومستغِلاً له، فإذا بمالك المحل التجاري يقوم بتفويت ملكيته العقارية بيعاً أو هبةً ... لفائدة الغير. 
فهذا التفويت لا يشمل الأصل التجاري المُستقل بعناصره المادية والمعنوية، ويشمل فقط المحل التجاري ومشتملاته التي تؤول إلى المُفوَّت إليه (المالك الجديد) عن طريق تقييد عقد التفويت بالرسم العقاري.
أما الأصل التجاري لا فإنه لا يقبل قانوناً التقييد في الرسم العقاري لدى مصلحة المحافظة العقارية، للعِلَّة التي سبق بيانها، ويبقى كما هو في ملكية صاحبه، ولا يمكن مطالبته بإفراغ التجاري ما دام يلتزم بأداء واجباته الكرائية للمالك الجديد، الذي يحل محل المالك القديم في عقد الكراء بقوة القانون.

 في نهاية المطاف، يتجلى بوضوح أن المشرع المغربي قد رسم حدوداً فاصلة وحاسمة بين عالم العقار وعالم التجارة. 
فالأصل التجاري، برغم احتضانه من طرف عقار، يظل كياناً قانونياً مستقلاً، له طبيعته المنقولة وقواعده الخاصة التي تحكم إنشاءه وتداوله. إن هذا الفصل ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو حجر الزاوية الذي يضمن استقرار المعاملات التجارية ويحمي ديناميكية عالم الأعمال من قيود وثبات القواعد العقارية.

وهذا كلّ ما في الأمر

 ⸺ إذا كان لديك أي رأي أو تساؤل حول الموضوع، لا تتردّد في طرحه في المكان المخصص للتعليقات أسفله.

ミ المصادر: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◆ الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) المتعلق بالتحفيظ العقاري، كما وقع تغييره وتتميمه.
◆القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية الصفحة 5587، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.178 في 25 من ذي الحجة 1432 (22 نوفمبر 2011)، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 5998 في 27 ذو الحجة 1432 (24 نوفمبر 2011)، الصفحة 5587.
◆ القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.96.83 في 15 من ربيع الأول 1417 (فاتح أغسطس 1996)، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 4418 في 19 جمادى الأولى 1417 (03 أكتوبر 1996)، الصفحة 2187.
◆ قرار محكمة النقض عدد 1229، الصادر بتاريخ 22 مارس 2011، في الملف المدني عدد 2008/3/1/1336.
- تاريخ آخر تحديث: 2025/12/21 
Achraf Lamine
Achraf Lamine Legal Researcher and Master of Laws (LL.M.) holder, specializing in the analysis of legislative texts and judicial precedents. I dedicate my expertise at "Arable Law Hub" to simplifying legal culture and making it accessible to everyone, driven by the conviction that legal awareness is the fundamental cornerstone of the rule of law.
More about the author ➚

Post a Comment for "هل يقيَّد الأصل التجاري في الرسم العقاري وفقاً للقانون المغربي؟"